ابن عجيبة
34
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
وهذه حالة شيوخ التربية : يحببون اللّه إلى عباده ؛ لأنهم يطهرون القلوب من دنس الغفلة حتى ينكشف لها جمال الحق فتحبه وتعشقه ، ويذكرون لهم إحسانه تعالى وآلاءه فيحبونه ، فإذا أحبوه أطاعوه فيحبهم اللّه ويقربهم ، واللّه تعالى أعلم . وقال الورتجبي : فيه إشارة لطيفة من الحق سبحانه أن النية إذا وقعت من قبل النفس الأمارة في شئ ، وباشرته ، فكأنها باشرت جميع عصيان اللّه تعالى ؛ لأنها لو قدرت على جميعها لفعلت ، لأنها أمارة بالسوء ، ومن السوء خلقت ، فالجزاء يتعلق بالنية . وكذلك إذا وقعت النية من قبل القلب الروحاني في خير ، وباشره ، فكأنه باشر جميع الخيرات ؛ لأنه لو قدر لفعل . قال صلّى اللّه عليه وسلّم : « نية المؤمن أبلغ من عمله » . وفيه إشارة أخرى أن اللّه سبحانه خلق النفوس من قبضة واحدة مجتمعة ، بعضها من بعض وصرّفها مختلفة ، وتعلقت بعضها من بعض من جهة الاستعداد والخلقة . فمن قتل واحدا منها أثّر قتلها في جميع النفوس عالمة بذلك أو جاهلة ، ومن أحيا نفس مؤمن بذكر اللّه وتوحيده ، ووصف جلاله وجماله ، حتى تحب خالقها ، وتحيا بمعرفته ، وجمال مشاهدته ، فأثر حياتها وتزكيتها في جميع النفوس ، فكأنما أحيا جميع النفوس . وفيه تهديد لأئمة الضلالة ، وعز وشرف وثناء حسن لأئمة الهدى . انتهى كلامه . وقوله في النفس الأمارة : ( من السوء خلقت ) ، فيه نظر ؛ فإن النفس هي الروح عند المحققين ، فما دامت الطينية غالبة عليها ، وهي مائلة إلى الحظوظ والهوى ، سميت نفسا ، فإن كانت منهمكة سميت أمارة ، وإن خف عثارها ، وغلب عليها الخوف ، سميت لوامة ، فإذا انكشف عنها الحجاب ، وعرفت ربها ، واستراحت من تعب المجاهدة ، سميت روحا ، وإن تطهرت من غبش الحس بالكلية سميت سرا ، وأصلها من حيث هي نور رباني وسر لاهوتى . ولذلك قال تعالى فيها : قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي ، « 1 » فالسوء عارض لها ، لا ذاتي ، فما خلقت إلا من نور القدس . واللّه تعالى أعلم . ثم عاتب بني إسرائيل على سفك الدماء والإفساد في الأرض ، بعد ما حرم ذلك عليهم في التوراة ، فقال : وَلَقَدْ جاءَتْهُمْ رُسُلُنا بِالْبَيِّناتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ بَعْدَ ذلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ يقول الحق جل جلاله : وَلَقَدْ جاءَتْهُمْ أي : بني إسرائيل ، رُسُلُنا بِالْبَيِّناتِ أي : بالمعجزات الواضحات ، ثُمَّ إِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ بَعْدَ ذلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ بسفك الدماء وكثرة المعاصي . قال البيضاوي : أي : بعد ما كتبنا عليهم هذا التشديد العظيم من أجل إتيان تلك الجناية ، وأرسلنا إليهم الرسل بالآيات الواضحة تأكيدا للأمر وتجديدا للعهد ، كي يتحاموا عنها ، كثير منهم يسرفون في الأرض بالقتل ولا يبالون ، وبهذا اتصلت القصة بما قبلها ، والإسراف : التباعد عن حد الاعتدال في الأمر . ه .
--> ( 1 ) من الآية 85 من سورة الإسراء .